المامقاني

340

غاية الآمال ( ط . ق )

أفتى فيه الأصحاب بمقتضاها فتدبر ثم لا يخفى عليك انه على القول بصحّة عقد المكره بلحوق الإجازة لو حصل الرّضا بعد العقد بلا فصل فلا إشكال في صحته ولو وقع منه الفسخ ( كذلك ) فلا ريب في بطلانه اما لو استمر الجبر بلا فسخ ثم تعقب الرضا فالمنقول عن شرح القواعد ما ينبئ عن التردد في الصّحة قال ( رحمه الله ) ولو حصل الرضا بعد تمام العقد بلا فصل فلا بحث على القول بالصّحة ولو فسخ فسد العقد ولو استمر الجبر بلا فسخ ثم تعقب الرّضا قوى وجه الصّحة وفي كونه كاشفا أو ناقلا وجهان أقويهما الأوّل انتهى وفي الجواهر بعد الإشارة إليه ما نصه لعل وجه العدم انه قد يقال بكفاية استمرار عدم الرضا في فساد العقد بحيث لا تنفع معه الإجازة إذ دعوى احتياج فسخه إلى لفظ يدلّ عليه مريدا للإنشاء به لا دليل عليه انتهى وقد يدفع بمخالفته لظاهرهم بل كلامهم كالنص في شموله لصورة الاستمرار في الجملة ان لم تكن هي المنساقة من كلماتهم وأدلتهم نظرا إلى أن غالب أفراد الإكراه المتعقبة بالرضا في الخارج انما هو ما لو استمر عدم الرّضا لأنه لا يتبدل بالرّضا غالبا الا بعد انقضاء مدة يزول فيها ألم الإكراه مضافا إلى أن كفاية مجرد استمرار عدم الرّضا وقيامه مقام الرّد ممّا لا وجه له ولا دليل عليه لان الرد كالإجازة يحتاج إلى إنشاء بلفظ أو ما يقوم مقامه ومجرد استمرار عدم الرضا ليس إنشاء تنبيهات الأوّل ان الإكراه وان كان أمرا واقعيّا الَّا ان اعتقاد المكره طريق إليه فيترتب عليه أحكام الإكراه وعدمه فلو كان المتغلب قد توعد على ترك امتثال أوامره على وجه كلَّى ثمّ انه صدر منه أمر ببيع شيء من أمواله بقصد الإرشاد فزعم المخاطب ان المراد به الحتم والإلزام فباعه مكرها لا عن طيب نفس ترتب عليه حكم العقد المكره عليه ولو انعكس الأمر بأن كان مقصود الأمر هو التوعد على ترك البيع والإكراه على فعله على سبيل الحقيقة فزعم المأمور ان ذلك من باب المزاح والمطايبة فباع لا عن إكراه وقع البيع صحيحا وهو ظاهر بعد التنبيه الثاني انه لو أكره على نفس العقد غير مقيد بقيد بان إكراه على بيع داره مثلا فباع مكرها ثمّ انه بعد زوال الإكراه أجازه مقيّدا بقيد مثل ان يقول رضيت ببيع الدار بشرط ان يكتب لي قرانا مثلا لم يفد الرضا في صحة العقد الواقع وإجازته لأنه ليس إجازة لما وقع بل هو أمر مغاير له ومثله العكس بان باع مشروطا بشرط ثمّ أجاز ( مطلقا ) لمغايرة العقد الواقع لما تعلق به الإجازة وليس هذا مثل العفو عن الشرط المقيّد به العقد وإسقاطه لتحقق العقد والشرط هناك الا انه أسقط حقه الثابت سابقا وهنا إنشاء إجازة عقد لم يقع ضرورة ان الواقع غيره الا ان يقصد إمضاء العقد المقيد ثم يسقط حقه وهو خارج عن المفروض الثالث أنه قال في ( المسالك ) واعلم أن بيع المكره انما يتوجه إليه البطلان إذا كان بغير حق فلو إكراه بحق بان توجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه أو شراء مال أسلم إليه فيه فأكرهه الحاكم عليه صحّ بيعه وشراؤه فإنه إكراه بحق ومثله تقويم العبد على معتق نصيبه منه وتقويمه في فكه من الرق ليرث وإكراهه على البيع لنفقته ونفقة زوجته مع امتناعه وبيع الحيوان إذا امتنع من الإنفاق عليه والعبد إذا أسلم عند الكافر والعبد المسلم والمصحف إذا اشتراهما الكافر وسوغناه فإنهما يباعان عليه قهرا والطعام عند المخمصة يشتريه خائف التلف والمحتكر مع عدم وجود غيره واحتياج الناس إليه فكل هذه الصور مستثناة من قولهم ان بيع المكره غير صحيح وضابطها الإكراه بحق كما قدمناه انتهى وقد صرّح بصحة بيع المكره بحق كما هو الضابط الذي ذكره ( رحمه الله ) كثير من فقهائنا بل لم يعرف فيه خلاف بل ظاهرهم الاتفاق عليه وعن الغنية انه لا خلاف فيه وظاهرها نفى الخلاف بين المسلمين ولعلَّه ( كذلك ) وظاهرهم انه صحيح بنفسه وهو حق مع قصده للنقل وليس مرادهم بكون بيع المكره بحق صحيحا الا هذا القسم والا فالحكم بصحته مع عدم القصد إلى النقل الذي هو مضمون الصّيغة مما لا وجه له فلا بد من الحكم بفساده ولا إشكال في صحة الصّيغة الصادرة من المكره بحق بعد ان جعله المالك الحقيقي سببا للنقل وان كان المكره فاقدا للرضا بمضمون الصّيغة ثم اعلم أنه مع امتناع المالك عن بيع ما يلزمه بيعه ان تمكن الحاكم من إكراهه وإجباره على البيع كانت وظيفته ذلك دون مباشرته بنفسه إذ لم يثبت من الشرع ترخيصه في المباشرة ومع الشك في مضى البيع الذي باشره بنفسه فالأصل عدم مضيه والأصل بقاء مال كل من المالكين على ملكه ثم إنه ان لم يتمكن من إجبار المالك على البيع باشره هو بنفسه ولكن ظاهر كلام صاحب الجواهر ( رحمه الله ) ان الحاكم يباشر بنفسه البيع مع التمكن من إجبار المالك قال ( رحمه الله ) في ذيل كلامه على الإكراه هذا كله في الإكراه بغير حق اما فيه فقد صرح غير واحد بالصحة معه لكن قد يقال إن الإكراه بالحق للحاكم ومن قام مقامه انما يقتضي تصرف الجابر ولا حاجة إلى وقوع اللفظ من المجبور لأنه هو الوالي له في هذا الحال واحتمال الإلزام له بمباشرة اللفظ الحالي عن القصد والرّضا لا دليل عليه وقيام الحاكم مقامه فيهما يقتضي قيامه في اللفظ الذي هو أسهل من ذلك على أنه لو اعتبر اللفظ أشكل بإمكان عدم تيسره منه لشدة عناده أو غير ذلك بل قد يشك في صحة العقد الذي يكره عليه والفرض كونه فاقد القصد والرضا ولو حصلا من الحاكم ضرورة كونه تبعيضا في العقد لم يعلم شرعيته انتهى وأنت خبير بأن ولاية الحاكم في صورة تيسر إجبار المالك على مباشرة البيع لم يثبت بأزيد من ذلك فيكون المباشرة الحاكم بنفسه للبيع مما لا ولاية له عليه فدعوى انه هو الولي وانه لا حاجة إلى صدور اللفظ من المالك المكره مصادرة كما أنه لا يخفى سقوط ما ذكره من نفى الدليل على إلزام المالك بمباشرة اللفظ الخالي عن القصد والرّضا وذلك لان الرّضا من المالك غير حاصل على كل من تقديري مباشرة المالك ومباشرة الحاكم وقد أسقطه المالك الحقيقي عن درجة الاعتبار وجعل المناط هنا رضاه الحاصل برضا الحاكم الشرعي وان المفروض انما هو ما لو قصد المالك المجير مضمون الصّيغة فان هذا هو الذي نقول بصحته وفاقا للأصحاب واما اللفظ الخالي عن المدلول فلا يقول أحد بصحة العقد به والمعتبر انما هو اللفظ المقصود به المعنى بل ما سبقه الرضا أو لحقه وقد كان المعتبر صدور العقد من المالك مع الرّضا فإذا تعذر مباشرة المالك وجاء مداخلة الحاكم كان اللازم ان يقدر الضرورة بقدرها فيأمره الحاكم بمباشرة العقد وافتراق محلّ الرضا عن محلّ القصد إلى مدلول الصّيغة لا مانع منه وقد تحقق في الفضولي ودعوى قيام الحاكم مقام المالك في القصد لا وجه له وأسهلية قيامه مقامه في اللفظ وجه اعتباري لا يصلح لصيرورته مستندا شرعيا والاستدلال بأنه لو اعتبر اللفظ أشكل بإمكان عدم تيسره منه لشدة عناده أو غير ذلك مما لا يفضي إلى المطلوب ضرورة انه عند عدم تيسره يتبدل العنوان فيندرج تحت من تعذر إجباره فيقوم الحاكم مقامه ( حينئذ ) كما عرفت فرع لو أكرهه الحاكم على أمرين وكان الإكراه في أحدهما بحق وفي الأخر بغير حق ولو مع اشتباه الحاكم في الموضوع حتى لا ينافي مضىّ حكمه شرعا أو فرض ان المتغلب أمره بعقدين فرضي بإيقاع أحدهما